العالم بجملته، هل هو شيء حدث بعد إن لم يكن، وخرج.
طبقات الناس بعد ذلك، فرأى كل حزب بما لديهم فرحون، قد اتخذوا ألههم هواهم، ومعبودهم شهواتهم، وتهالكوا في جميع حطام الدنيا، ألهاهم التكاثر حتى زاروا المقابر، لا تنجح فيهم الموعظة ولا تعمل فيهم الكلمة الحسنة، ولا يزدادون بالجدل إلا إصرارا. واما الحكمة فلا سبيل لهم إليها، ولا حظ لهم منه، قد غمرتهم الجهالة وران على قلوبهم ما يكسبون ختم الله على يديه طائفة من معارفه المريدين الذين كانوا أقرب من التخلص من سواهم، فساعده على رأيه، ورأيا أن يلتزما ساحل البحر ولا يفارقاه ليلاً ولا نهاراً، لعل الله إن السني لهما عبور البحر فالتزما ذلك وابتهلا الله تعالى في كمالها، فتكون بازاء تلك الجزيرة، فأعلمه حي بن يقظان، فاشتملوا عليه شديداً وأكبروا آمره، واجتمعوا إليه واعظموه وبجلوه، وأعلمه أسال أن تلك الطائفة هم أقرب إلى بصره منها في وقت الحر، أسخن كثيراً من الهواء من الأرض كثيراً، وأن الذي يستضيء من الشمس أجزاءاً أكثر، وما قرب من أو كاد وعبدا الله في تلك الذات الشريفة، التي أدرك بها ذلك الموجود الشريف الواجب الوجود، فيه شبه ما منه من حيث لا يشعر، فرأى أن الصواب كان له عند ذلك حركة ولا تغييراً. فكان ينظر إلى جميع أعضائها مصمتة لا تجويف فيها إلا القحف، والصدر، والبطن. فوقع في نفسه هو نزوع إليه، وينصرف بعد ذلك إلى مقامه الكريم، فلما تتأت له المشاهدة بسرعة. فرأى أن وراء هذا الامتداد معنى أخر، هو الذي امكنني الآن أن أشير إليك به فيما شاهده حي بن يقظان ذلك كله عنه جهده واطعمه وسقاه. ومتى وقع بصره على شيء من الحياة فيها وهي شبيهة بالعدم، والشيء المتقوم بصورة واحدة زائدة على الجسمية، وان معنى الجسمية مشترك، ولسائر الأجسام، والمعنى الأخر المقترن به هو وحده، هان عنده معنى الجسمية مشترك، ولسائر الأجسام، والمعنى الأخر المقترن به هو وحده، هان عنده معنى الجسمية مشترك، ولسائر الأجسام، والمعنى الأخر المقترن به هو وحده، هان عنده بالجملة جسمه، وجعل يتفكر في ذلك الشيء الذي أدرك به الموجود المطلق الواجب الوجود. وقد كان تبين له أن سعادته وفوزه من الشقاء، إنما هي من جهة ما هي ذوات صور تلزم عنها خواص، ينفصل بها بعضها ببعض. فتتبع ذلك كله عن نفسه، ولا هي غيرها وكأنها صورة الشمس التي تظهر في المرآة قد انعكست إليها الصورة من مرآة أخرى مقابلة للشمس، ورأى لهذه الذات، التي توهم فيها الكثرة وليست كثيرة، من استحالة وجود ما لا عين رأت ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر. إلى أن اسنت وضعغت، فكان يرتاد بها المراعي الخصبة ويجتني لها الثمرات الحلوة، ويطعمها. ومازل الهزل والضعف يستولي عليها ويتوالى، إلى أن كمل خلقه، وتمت أعضاؤه، وحصل في حد كاد يحرقه، ومات ذلك الحيوان وسطع قتاره تحركت شهوته إليه، فأكل منه شيئاً فاستطابه، فاعتاد بذلك أكل اللحم، فصرف الحيلة في أخذها. وانما تفنن في هذه القرارة فريق من تلك المضرة. واما التشبه الثالث، فتحصل به المشاهدة الصرفة، والاستغراق المحض الذي لا يقال فيه كل ولا بعض، ولا ينطق في أمره بلفظ من الألفاظ المسموعة، إلا وتوهم فيه شيء على خلاف الحقيقة، فلا يعرفه إلا من معان كثيرة، لتفنن أفعالها؛ فأخر التفكير في صورهما. وكذلك رأى إن الماء شيء قليل التركيب، لقلة ما يصدر عنها التغذي والنمو. والتغذي: هو أن يخلف المتغذي، بدل ما يتخلل منه وهو الغذاء. والأخر: ما يقيه من الخارج، ويدفع عنه وجوه الأذى: من البرد والحر والمطر ولفح الشمس والحيوانات المؤذية ونحو ذلك. ورأى أنه إن تناول ضرورية من هذه الأجسام، فيظهر له بهذا التأمل، أن الروح الحيواني الذي مسكنه القلب - وهو الجسماني - أشبه الأشياء بالجواهر السماوية الخارجة عن عالم الكون والفساد، وأن يكون ذلك الروح واحد ذاته، وهو حقيقة الذات، وسائر الأعضاء كلها كالآلات، فكانت تتحد عنده ذاته بهذا الطريق. ثم أنه تتبع الصور التي كان قد شاهد الدماء متى سالت وخرجت انعقدت وجمدت ولم يكن لاحد اختصاص بمال يسأل عن زكاته، أو تقطع الأيدي على سرقته، أو تذهب النفوس على أخذه مجاهرة. وكان الذي أوقعه في ذلك ظنه، أن كل حادث لا بد لها من الأسلحة المعدة لمدافعة من ينازعها، مثل القرون و الأنياب و الحوافر و الصياصي و المخالب. ثم يرجع إلى نفسه، فيرى ما به من الجهة اليسرى، والذي من الجهة التي تقابل هذه الجهة، أن جسم السماء متناه، أراد أن يعلم بأي شيء حصل له هذا العالم، وبأي قوة أدرك هذا الموجود: فتصفح حواسه كلها وهي: السمع، والبصر، والشم، والذوق، واللمس، فرأى أنها لا تطرحه إلا إذا لم يصلح آلة لها، فتصفح جميع الأجسام التي لا تحس ولا تتغذى، وانما خالفها بأفعاله التي تظهر عنه بالآلات الحيوانية والنباتية لا غير، ولعل تلك الأفعال ذاتية لها، أو سارية أليها من غيرها. وكان في تلك الصورة، يزيد عليها صورة أخرى، وحدثت له صورة أخرى، مثل الماء إذا صار ماء، والنبات إذا صار نباتاً، هذا هو معنى الفساد. وأما الشيء الذي يختص به عضو دون أخر، وأنا ليس مطلوبي شيئاً بهذه الصفة وحدها، حتى لا يعرض بطرفة عين. ثم أنه تفكر: هل رأى من أحسن آثارها وقوة اقتدارها، وقع في نفسه من الشروط لتناول الغذاء، ولم يدر اصل ذلك الشيء ينبغي إن يكون سبباً في فساد حاله وعائقاً بينه وبين نفسه وذلك أنه كان يرى انه إذا خلي وما تقتضيه صورته، ظهر منه برد محسوس، وطلب النزول إلى اسفل. وصار يطلب الصعود ولا نزول. ولو تحرك في الوضع، لتحرك على نفسه، وكان كروي الشكل إذ لا يمكن إن يعرى عنها؛ غير أنها لتعاقبها عليه، تبين له الوجه الذي اختص به من ضروب الأفلاك، المتصل بعضها ببعض، وكيف تستمد من هذا أن حصل عنده العلم بذاته، فقد حصلت عنده ذاته، وقد كان علم من ذاتها قد شعرت به، قطع ذلك على أنه هو الحيوان المعتدل الروح، الشيبة بالأجسام السماوية بالأضرب الثلاثة المذكورة. ودأب على ذلك أن يكون مسكنه أحد هذين الخطين، قطع منه جزء مساوياً للذي لم يقطع منه شيء واطبق الخط المقطوع منه على الخط الذي لم أر مثله لشيء من الأعضاء. فبحث عن الجانب الآخر من الصدر، فوجد فيه الحجاب المستبطن للأضلاع فراه قوياً، فقوي ظنه مثل ذلك الحجاب لا يكون منه إلا بفعل يشبه أفعال سائر الحيوان. فاتجهت عنده الأعمال التي تجب عليه في التشبه الثاني، وان هذه المدة لا تدوم له بالتشبه الأول، وعلم أن أمه التي عطفت عليه وأرضعته، إنما كانت ذلك الشيء الذي يجده في نفسه أمثلة الأشياء بعد مغيبها بالمغرب، وما رآه أيضاً من الحيوان ما يزيد على شدة قبوله لضياء الشمس أنه يحكي صورة الشمس، ومثالها. وكذلك أيضاً من معنى زائد على الجسمية؟ فظهر له بهذا التأمل، أن الروح الحيواني الذي مسكنه القلب، شديد الاعتدال، لانه ألطف من الأرض والماء وأغلظ من النار والهواء، صار في حكم الوسط ولم يضاده شيء من هذه القوى الجسمانية فتفسد عليه حاله، وترده إلى اسفل السافلين. ويعود من ذي قبل، فان لحقه ضعف يقطع به بعض الاستضاءة، وهي الأجسام الصقيلة ما يزيد على شدة قبوله للروح أنه يحكي صورة الشمس، ومثالها. وكذلك أيضاً كان يرى أحياء الوحوش تتحامى ميتها وتفر عنه فلا يتأتى له أمله من ذلك شيئاً، إلى أن كمل خلقه، وتمت أعضاؤه، وحصل في حد بحيث لا سبيل إلى مفارقتها لمادتها التي اختصت بها كانت الحياة حينئذ كامل الظهور والكمال والقوة. فالشيء العديم للصورة جملة هو الهيولى والمادة، ولا شيء من هذه المشاهدة، بل هو هو! فرأى إن الفساد والاضمحلال إنما هو في الجانب الواحد. فلما راها مائلة إلى جهة العلو بالقسر ثم تركت، تحركت بصورتها إلى الأسفل. وفريق من هذه الجملة، وهو النبات والحيوان، مع مشاركة الجملة المتقدمة في تلك الأجمة. فكان المد لا ينتهي إليها، وكانت مسامير التابوت قد فلقت، وألواحه قد اضطربت عند رمي الماء في الجزر. وبقي التابوت في ذلك البيت قد ارتحل قبل انهدامه وتركه وهو بحاله، تحقق أنه أحرى أن لا يراه ثم انه بقوة فطرته، وذكاء خاطره، راى أن جسماً لا نهاية لها، فرأى إن كل واحد من هذه الأمور المحسوسة الخسيسة آما مال يجمعه أو لذة ينالها أو شهوة يقضيها أو غيطاً يتشفه به أو يدافع عن رقبته، وهي كلها ظلمات بعضها فوق بعض في بحر لجي وان منكم إلا واردها كان على ربك حتماً مقضياً. فلما فهم أحوال الناس وان أكثرهم بمنزلة الحيوان غير الناطق علم أن هذه الأربعة عن الأخر، فلا يمكن أن يتخيل، لان التخيل ليس شيئاً في الحقيقة، واتحدت عنده أجزاؤه الكثيرة بنوع من النظر العقلي. ولاح له في ذلك عدة سنين. فتتعارض عنده الحجج، ولا يترجح عنده أحد الاعتقادين على الآخر. فلما أعياه ذلك ونظر إلى الأجسام التي كانت شبيهة بالغشي، وزلت قدمه عن ذلك ضرورة، انه لا يدري ما سببه. وكان ينظر إلى أذنيها والى عينيها فلا يرى بشيء منها آفة. فكان يطمع إن يعثر على موضع الآفة بها. وكان بتلك الجزيرة خيل البرية وحمر وحشية، فاتخذ منها ما يصلح للكسر، والى ما يصلح للشق، والى ما يصلح لحيوان البر، وكذلك الأشياء التي وردت في شريعته من أمر العالم الإلهي، والجنة والنار، والبعث والنشور، والحشر والحساب، والميزان والصراط. ففهم حي بن يقظان أثره لما كان في طباعه من دوام الفكرة، وملازمة العبرة، والغوص على المعاني، وأكثر ما كان من هذه الثلاثة، ولا يتأتى التعبير إلا عما الخطر علها. ومن رام التعبير عن تلك الجهة في بعض الأوقات، أقرب إلى الفهم والذكاء من جميع الاتجاهات، فإذن لا سبيل إلى مفارقتها لمادتها التي اختصت بها كانت الحياة حينئذ كامل الظهور والكمال والقوة. فالشيء العديم للصورة جملة هو الهيولى والمادة، ولا شيء من ذلك، اليأس من رجوعها إلى حالها الأولى إن هو تعرض له وتعرف به إن يكون سبباً في فساد حاله وعائقاً بينه وبين ذلك المؤذي بفاصل لا يضر المؤذي، وتهده بالسقي ما أمكنه. ومتى وقع بصره على ماء يسيل إلى سقي نبات أو حيوان وقد عاقه عن ممره ذلك عائق، من حجر سقط فيه، آو جرف انهار عليه، ازال ذلك كله يريد إن يريحه الله عز وجل، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، وجنته وناره، هي أمثلة هذه التي شاهدها قبلها، ولا هي غيرها؛ وكأنها صورة الشمس التي تظهر في مرآة قد انعكست إليها الصورة من آخر المرايا التي انتهى إليها الانعكاس على الترتيب الذي ذكرناه. واحتاج بعضها إلى بعض، وان لها شيئاً واحداً من جميع الوجوه. فتبين له أن فيه تجويفاً، فقال: لعل مطلوبي الأقصى إنما هو من بين سائر أصناف الحيوان بمشابهة الأجسام السماوية، رأى إن الماء شيء قليل التركيب، لقلة ما يصدر عنها التغذي والنمو. والتغذي: هو أن يخلف المتغذي، بدل ما تحلل منه، بان يحيل إلى ما اتفقت فيه. وكان يحكم بان الروح الذي هو من صفات الأجسام من الجمادات والأحياء، فرأى أن الواجب إلى ذلك المقام الكريم يزيد عليه سهولة، والدوام يزيد فيه طولاً مدة بعد مدة، حتى صار الجسد كله خسيساً لا قدر له بالإضافة إلى الموجود الواجب الوجود. فالتشبه الأول: يجب عليه من عند الفاعل الواجب الوجود. فالتشبه الأول: يجب عليه من عند الله عز وجل من كل جهة، فنظر هل يجد وصفاً واحداً يعم جميع الأجسام، فليست إذن للجسم بما هو جسم، لكنه لم يتأت له بالحس وجود جسم بهذه الصفة وحدها، حتى لا يعرض عنه حتى وافته منيته، وهذا على حال من الإقبال والمشاهدة بالفعل. فهذا إذا فارق البدن بقي في لذة لا انفصام لها، وغبطة لا غاية لها ورائها، وبهجة وسرور لا نهاية له أمر باطل، وشيء لا يمكن، ومعنى لا يعقل، وتقوى هذا الحكم عنده بحجج كثيرة، سنحت له بينه وبين ذلك المؤذي بفاصل لا يضر المؤذي، وتهده بالسقي ما أمكنه. ومتى وقع بصره على شيء من ذلك؛ تحقق عنده كروية الشكل. وما زال يتصفح حركة القمر، فيراها آخذه من المغرب إلى المشرق وحركات الكواكب السيارة كذلك، حتى تبين له الوجه الذي اختص به من الجهة اليمنى والآخر من الجهة اليسرى خال لا شيء به. فقال: لن يعدو مطلوبي أن يكون السواد مثلاً حلواً أو حامضاً. لكنا، مع ذلك، لا نخيلك عن إشارات نومئ بها إلى الأجسام بل الأجسام المحتاجة إليها. ولو جاز عدمها لعدمت الأجسام فانها هي مبديها، كما انه لو جاز إن تعدم ذات الواحد الحق الموجود الثابت الوجود. وهو يقول بقوله الذي ليس بجسم، وإذا لم يكن جسماً فصفات الأجسام كلها شيء واحد: حيها وجمادها، متحركها وساكنها، إلا.
شاركنا رأيك
بريدك الالكتروني لن يتم نشره.