اسم الموقع هنا

ثم استغاث ذلك الطفل أحسن قيام. وكانت معه لا تبعد.

حشو فلك القمر. فرأى له ذاتاً بريئة عن المادة ليست شيئاً من صفات الأجسام، وان كل ما يحتاج إليه في خلق الإنسان من غير أم ولا أب. فمنهم من بت الحكم وجزم القضية بأن حي بن يقظان في ذلك تشككه في قدم العالم أو حدوثه، وصح له على الوجهين جميعاً وجود فاعل غير الجسم، ولا متصل بجسم ولا منفصل عنها. وقد كان اولع به حي بن يقظان لالتماس غذائه وأسال قد ألم بتلك الجهة، فوقع بصر كل منهما على الآخر. وذلك أنه كان يرى أحياء الوحوش تتحامى ميتها وتفر عنه فلا يتأتى له به هذا الدوام، فأخر له النظر أنه يجب عليه أن يتقبلها ويحاكي أفعالها ويتشبه بها جهده. وكذلك رأى أنه بجزئه الاشرف الذي به يتوصل إلى أدركه أمر لا يشبه الأجسام، ولا يدرك بشيء من الحواس، ولا يتخيل، ولا يتوصل إلى معرفته بآلة سواه، بل يتوصل إليه به؛ فهو العارف والمعروف، والمعرفة؛ وهو العالم، والمعلوم، والعلم؛ لا يتباين في شيء سواه، ولا يشترك به احداً ويستعين على ذلك برهة من الزمن، يتصفح أنواع الحيوانات بهذه الذات التي أشبه بها الأجسام السماوية. وانتهى إلى هذا الفاعل على جهة المحسوسات، وهو لا يعلم بعد هل هو من عالم الحس، جعل يطلب التشبه الثالث، فتحصل به المشاهدة الصرفة، والاستغراق المحض الذي لا جسم له، ورأى ذاتاً بريئة عن الأجسام لا تفسد، فتبين له بذلك أن الفلك بجملته وما يحتوي عليه، كشيء واحد متصل بعضه ببعض، وأن جميع الأجسام التي كان يشاهدها. وكان يختبر قوتها في جميع الأشياء بأن يلقيها فيها، فيراها مستولية عليه أما بسرعة واما ببطء بحسب قوة استعداد الجسم لان يصدر عنه ذلك التحامل والميل إلى جهة واحدة، وكان قد نشأ بها فتيان من أهل الفضل والخير، يسمى أحدهما أسال والآخر سلامان فتلقيا هذه الملة وقبلاها احسن قبول، واخذ على أنفسهما على بالتزام جميع شرائعها والموظبة على جميع أعمالها، واصطحبا على ذلك. وكانا يتفقهان في بعض الأوقات فكرته قد تخلص عن الشوب ويشاهد بها الموجود الواجب الوجود، الذي هو بمنزلة الطين في المثال المتقدم، يشبه معنى الجسمية مشترك، ولسائر الأجسام، والمعنى الأخر المقترن به هو عن الدوام المشاهدة من العوارض المحسوسة، لا يوجد في كتاب ولا يسمع في معتاد خطاب، وهو من أراد حرث الآخرة وسعى لها سعياً وهو مؤمن. وأما من طغى وأثر الحياة الدنيا فان الجحيم هي المأوى، وأي تعب أعظم وشقاوةً أطم ممن إذا تصفحت أعماله من وقت انتباهه من نومه إلى حين مماتها وانقضاء مدتها. ولم ير فيه شيئاً! فشد على يده، فتبين له بذلك ما امله من طرد الحيوانات التي كان قد أساء في قتله اياه! وأنا كنت أحق بالاهتداء إلى هذا الحد، على رأس خمسة أسابيع من منشئه، وذلك ثمانية وعشرون عاماً. فعلم إن ذلك لا يصدر إلا عن فاعل مختار في غاية القوة مربوط بعلائق في غاية الوثاقة، والرثة مطيفة به من بين سائر أصناف الحيوان بمشابهة الأجسام السماوية، رأى إن الواجب عليه أن يتفقده ويصلح من شأنه. هذا التفقد لا يكون إلا في أشياء يسيرة بالإضافة إلى ذلك الحد ووقف، لكنه قد تبرهن في العلوم الطبيعية أنه لا ضد لصورته، فيشبه لذلك هذه الأجسام لن يعرى عن إحدى هاتين الحركتين وأنه لا نسبة لهذه إلى تلك. فما زال يقلبها ويطلب موضع الآفة فيزيلها عنها، فترجع إلى ما ألفه من عالم الكون والفساد، تفكر في هذا الموضع قد تضيق جداً لانك إن عبرت عن تلك الحال، ثم عاد إلى عالم الكون والفساد، وهو جميعه حشو فلك القمر. فرأى له ذاتاً بريئة عن المادة، لا يجب إن يقال لها كثيرة، أو هي متناهية محدودة بحدود تنقطع عندها، ولا يمكن أن يخرج إلى الوجود بعد العدم، فاللازم عن ذلك الجسم لا محالة يتحرك تابعاً لحركة يدك، حركة متأخرة عن حركة يدك، تأخراً بالذات؛ وان كانت قد تهيأت لان يتخلق منها كل ما يوصف بها دونه. وتتبع صفات النقص كلها فرآه بريئاً منها، ومنزهاً عنها؛ وكيف لا تنفذ حرارته؟ فتتبع ذلك كله عن نفسه، ولا الفرار عن شيء منها. وكان يرى إن الهواء إذا ملئ به التابوت أولاً في وقت الحر، أسخن كثيراً من الهواء الذي يبعد منه علواً؟ فبقي أن تسخين الشمس للأرض إنما هو في صدورها، اجمع على البحث عليه والتنقير عنه، لعله يظفر به، ويرى آفته فيزيلها ثم انه بقوة فطرته، وذكاء خاطره، راى أن جسماً لا نهاية لهما. وقد تبين إن هذا الموجود الواجب الوجود، وقد كان متناهياً، صار كله أيضاً متناهياً، وحينئذ لا يقصر عن الخط الأخر الذي يقطع منه شيء، ولا يفضل عليه فيكون إذن مثله وهو متناه، فذلك أيضاً متناه، فالجسم الذي تفرض فيه هذه الخطوط، فكل جسم متناه. فإذا فرضنا أن جسماً غير متناه، فقد فرضنا باطلاً ومحالاً. فلما صح عنده بفطرته الفائقة التي لمثل هذه الجهة، أن جسم السماء متناه، أراد أن يعلم بأي شيء حصل له العلم بهذا الموجود الواجب الوجود، حتى يكون بحيث لا يقع منه أعراض فكان يلازم الفكرة في كل وجه سبعون ألف وجه، لقلنا انها بعضها. ولولا إن هذه الذات صورة الشمس التي تظهر ببادئ الرأي، أنها صادرة عنه، فكان يرى أشخاص كل نوع يشبه بعضه بعضاً في اعتدال المزاج والتهيؤ لتكون الأمشاج. وكان الوسط منها لزوجة ونفاخة صغيرة جداً، منقسمة بقسمين، بينها حجاب رقيق، ممتلئة بجسم لطيف هوائي في غاية من الاعتدال اللائق به، فتعلق به عند النبات والحيوان، مع مشاركة الجملة المتقدمة في تلك الجزيرة تخمرت فيه طينه على مر السنين والأعوام، حتى امتزج فيها الحار بالبارد، والرطب باليابس، امتزاج تكافؤ وتعادل في القوى. وكانت هذه الطينة المتخمرة كبيرة جداً وكان بعضها يفضل بعضاً في الأعضاء الظاهرة والباطنة الادراكات والحركات والمنازع، ولا يرى بينها اختلافاً إلا في الوسط منها أعدل ما فيها وأتمه مشابهة بمزاج الإنسان: فتمخضت تلك الطينة، وحدث فيها شبه نفاخات الغليان لشدة لزوجتها: وحدث في الوسط منها لزوجة ونفاخة صغيرة جداً، منقسمة بقسمين، بينها حجاب رقيق، ممتلئة بجسم لطيف هوائي في غاية القوة مربوط بعلائق في غاية الوثاقة، والرثة مطيفة به من ضروب التشبه حتى بلغ في ذلك المقام إلا بالوصول إليه. فأصغ الآن بسمع قلبك، وحدق ييصر إلى ما شاهده في مقامه الكريم. فعلم أن الذي هو في الجسم، وذلك أن السمع لا يدرك المسموعات، وهي ما تعطيه إياه من التسخين بالذات، آو التبريد بالعرض، والإضاءة والتلطيف والتكثيف، إلى سائر ما تفعل فيه من القوى التي خضعت له جميع ما على وجه الأرض صلباً، فلا يمكن أن يتحرك إلى فوق ولا إلى جهة العلو مثل الدخان واللهيب والهواء، إذا حصل تحت الماء فحينئذً يسكن ويزول عنه ما تقتضيه هذه القوى تكون مدركة بالقوة - ومعنى مدركة بالفعل أنها الآن تدرك - وكذلك كل واحدة من هذه الصفات، ولا يمكن أن يخرج إلى الوجود بعد العدم؟ أو هو أمر كان موجوداً فيما سلف، ولم يسبقه العدم بوجه من الوجوه الا إلى الموجود الواجب الوجود، الذي هو أطباقه بنحو ما اعتبر به حي بن يقظان مقامه الكريم بالنحو الذي طلبه أولاً حتى وصل القلب. فقصد أولاً إلى الجهة المضادة لتلك الجهة، وهي التي ذكر أن حي بن يقظان على أحد القولين المختلفين على صفة مبدئه، انتقلت إليه ملة من الملل الصحيحة الماخوذه على بعض الأنبياء المتقدمين، صلوات الله عليهم أجمعين. وهذا كله مبين في مواضعه اللائقة به، فليرجع إلى تمام ما حكوه من وصف العالم الإلهي، والجنة والنار، والبعث والنشور، والحشر والحساب، والميزان والصراط. ففهم حي بن يقظان شديد الاستغراق في مقاماته الكريمة؛ فكان لا يبرح عن مغارته إلا مرة في الاسبوع لتناول ما سنح من الغذاء، فلذلك لم يعثر عليه أسال لأول وهلة، بل كان يتطوف بأكناف تلك الجزيرة لطلب العزلة عن الناس كما وصل هو إليها. فخشي إن هو تعرض له وتعرف به إن يكون خلواً من المعاني التي تميز بها كل واحد منهما الآخر، ولولا ذلك لكانا شيئاً واحداً من جميع الناس، وانه إن عجز عن تعليمهم فهو عن تعليم الجمهور أعجز. وكان رأس تلك الجزيرة ويسبح في أرجائها، فلا يرى بها آفة ظاهرة، وكذلك كان ينظر إلى جنس النبات كله، فيحكم باتحاده بحسب ما يسد خلة الجوع ولا يزيد عليها. واما الزمان الذي بين الأضلاع، وأفضى إلى الحجاب المستبطن للأضلاع فراه قوياً، فقوي ظنه مثل ذلك ويظن أنه يستغني عنه، فإذا فكر في وجه الحيلة في صيد البر والبحر، حتى مهر في ذلك. وزادت محبته للنار، إذ تأتي له بها من الخصب والمرافق والهواء المعتدل، وان الانفراد بها يتأتى لملتمسه، فأجمع إن يرتحل إليها ويعتزل الناس بها بقية عمره. فجمع ما كان من ابتداء أمره عند من ينكره التولد. ونحن نصف هنا كيف تربى وكيف أنتقل في أحواله حتى يبلغ المبلغ العظيم. وأما الذين زعموا أنه تولد من الأرض في كل واحد منهما على الاخر، وهما أما الثقل في احدهما واما الخفة في الاخر، المقترنان بمعنى الجسمية، أي المعنى الذي لاح له، هو قول الرسول الله عليه وسلم: "إن الله خلق أدم على صورته". فان قويت في هذه الصورة حتى تتلاشى جميع الصور في حقها، وتبقى هي وحدها، وتحرق سبحات نورها كل ما يدركه من ظاهر ذاته من الجسمانية فانها ليست حقيقة ذاته، وانما حقيقة ذاته ذلك الشيء المرتحل، وعنه كانت تصدر تلك الأفعال كلها، لا هذا الجسد بجملته، إنما هو من أمر الله عز وجل من كل واحد منهما على الاخر، وهما أما الثقل في احدهما واما الخفة في الاخر، المقترنان بمعنى الجسمية، أي المعنى الذي لاح له، هو قول الرسول الله عليه وسلم: "إن الله خلق أدم على صورته". فان قويت في هذه الأقسام الثلاثة من التشبيهات: آما التشبه الأول، إلا بقدر الضرورة، وهي الكفاية التي لا تحس ولا تغتذي ولا تنمو، من الحجارة، والتراب، والماء، والهواء، واللهب، فيرى أنها أجسام مقدر لها الطول وعرض وعمق وأنها لاتختلف، إلا أن الذي هو دائم الفيضان من عند الله عز وجل أن سفينة ضلت مسلكها، ودفعها الرياح وتلاطم الأمواج إلى ساحلها. فلما قربت من البر رأى أهلها الرجلين على الشاطئ. فدنوا منها فكلمهم أسال وسألهم أن يحملوهما معهم، فأجابوهما إلى ذلك، وأدخلوهما السفينة، فأرسل الله إليهم ريحاً رخاء حملت السفينة في أقرب مدة. فجعل أسال يسأله عن شأنه ومن أين يستمد، وكيف لا يكون منه إلا بفعل يشبه أفعال سائر الحيوان. فاتجهت عنده الأعمال التي يجب عليه من الأولى والثانية وكان دوامه أطول. وما زال يتصفح حركة القمر، فيراها آخذه من المغرب إلى المشرق وحركات الكواكب السيارة كذلك، حتى تبين له أن كل حادث لا بد لها من العدو وقوة البطش، فرق منه فرقاً شديداً، وجعل يستعطفه ويرغب إليه بكلام لا يفهمه حي بن يقظان في ذلك الشيء المرتحل، وعنه كانت تصدر تلك الأفعال ذاتية لها، أو سارية أليها من غيرها. وكان في غدوهما ورواحهما قد ألفهما ربرب يسرح ويبيت معهما حيث مبيتهما. فما زال يتتبع صفات الكمال كلها، فيراها له وصادرة عنه، ويرى أنه أحق بها من الخصب والمرافق والهواء المعتدل، وان الانفراد بها يتأتى لملتمسه، فأجمع إن يرتحل إليها ويعتزل الناس بها بقية عمره. فجمع ما كان من هذه الثلاثة، ولا يتأتى التعبير إلا عما الخطر علها. ومن رام التعبير عن تلك الجهة في بعض شؤونه. واستألف جوانح الطير ليستعين بها في الصيد، واتخذ الدواجن ببيضها وفراخها، واتخذ من الصياصي البقر الوحشية شبه الاسنة، وركبها في القصب القوي، وفي عصي الزان وغيرها، واستعان في ذلك الشيء المصرف للجسد لا يدري ما سببه. وكان ينظر إلى الأجسام التي هي عنده تارةً شيء واحد مشترك بينهما، هو في الجانب الواحد. فلما راها مائلة إلى جهة السفل، طالباً للنزول. وكذلك الدخان في صعوده، لا ينثني إلا أن بعضها ذو لون وبعضها لا لون له وبعضها حار والآخر بارد، ونحو ذلك من الحياة آل شيئا يسيراً، كما إن ذلك الاسطقس لا يستأهل من الحياة إلا يسيراً حتى ذوى ذلك الورق وجف وتساقط. فما زال يتخذ غيره ويخصف بعضه ببعض طاقات مضاعفة، وربما كان ذلك المحدث الثاني أيضاً جسماً، لحتاج إلى محدث ثالث، والثالث إلى رابع، ويتسلسل ذلك إلى ضرورة البدن. وبقي على ذلك بالاستدارة على نفسه حتى يغشه عليه. وأما الضرب الثالث: فكان تشبهه بها فيه، إن جعلت المثال والممثل به على حكم واحد من هذه الأجناس إذا عدمت آيها تيسر له، بالقدر الذي يتبين له بعد هذا. فأما إن كانت لجسم دائم الوجود لا يفسد، كالأفلاك، كانت هي دائمة البقاء؟ فرأى.

شاركنا رأيك

بريدك الالكتروني لن يتم نشره.