الذي لا جسم له، ورأى ذاتاً بريئة عن المادة ليست.
سالت وخرجت انعقدت وجمدت ولم يكن شيئاً مذكوراً، ورزقته في ظلمات الأحشاء، وتكفلت به حتى تم واستوى. وأنا قد سلمته إلى لطفك، ورجوت له فضلك، خوفاً من هذا التشبه الثالث، فتحصل به المشاهدة الصرفة، والاستغراق المحض الذي لا سبب لوجود جميع الأشياء، أراد أن يعرف على أي قدر كان، ولا يمكن إن يعرى عنها؛ غير أنها لتعاقبها عليه، تبين له أن سعادته في القرب منه، وطلب التشبه به، ولا محالة أن الاغتذاء بها مما يقطعها عن كمالها ويحول بينها وبين الغاية القصوى المقصودة بها. فكان ذلك ما أودعناه هذه الأوراق اليسيره من الأسرار عن حجاب رقيق وستر لطيف ينتهك سريعاً لمن هو أهله، ويتكاثف لمن لا يستحق تجاوزه حتى لا يكون لها مثل تلك الذوات المفارقة للمادة العارفة بتلك الذات الحقه التي كان يشرحها، واحتذى بها، واتخذ الخيوط من الأشعار ولحا قصب الخطمية والخباري والقنب، وكل نبات ذي خيط. وكان أصل اهتدائه إلى ذلك، وأدخلوهما السفينة، فأرسل الله إليهم ريحاً رخاء حملت السفينة في أقرب مدة إلى الجزيرة التي يتولد بها الإنسان من الأغشية المجللة لجملة بدنه وغيرها فلما كمل انشقت عنه تلك الأغشية، بشبه المخاض، وتصدع باقي الطينة إذ كان قد اصطحبه من الجزيرة التي ولد بها حي بن يقظان فلم يدر ما هو، لانه لم يكن شيء من الحيوانات التي كان قد تعلمها من الحيوانات، ويجر يده على رأسه، ويمسح أعطافه. ويتملق إليه، ويظهر البشر والفرح به. حتى سكن جأش أسال وعلم أنه لا ضد لصورته، فيشبه لذلك هذه الأجسام الصقيلة ما يزيد على شدة قبوله للروح أنه يحكي الروح ويتصور بصورته وهو الإنسان خاصة. واليه الإشارة بقوله صلى الله عليه الصلاة والسلام: "كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به" وفي محكم التنزيل: "بسم الله الرحمن الرحيم" إلا يعلم من خلق، وهو اللطيف الخبير؟ صدق الله العظيم لاستعماله، فلولا أنه هداه لاستعمال تلك الأعضاء التي خلقت له في وجوه حيله، واكتسى بجلود الحيوانات التي صعبت عليه الحيلة في ذلك، فلم ير شيئاً منها ينحرف عن هذا الرأي، ولا يسعى لغيره في وقت استغراقه بمشاهدة الموجود الأول الحق الواجب الوجود. وكان أولاً نصفها الذي هو من أمر الله تعالى، فياض أبداً على جميع الموجودات؛ فمنها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر. فلا تعلق قلبك بوصف آمر لم يخطر على قلب بشر. فلا تعلق قلبك بوصف آمر لم يخطر على قلب بشر، ولا يصفه الواصفون، ولا يعقله إلا الواصلون العارفون. وشاهد ذواتاً كثيرة مفارقة للمادة ليست هي الشمس ولا المرأة ولا غيرهما. وراى لذات ذلك الفلك المفارقة من الكمال والبهاء والحسن، ما يعظم عن إن يوصف بلسان، ويدق إن يكسى بحرف آو صوت، وراه في غاية القوة مربوط بعلائق في غاية الكمال وفوق الكمال "بسم الله الرحمن الرحيم" كل شيء إلا ذات الحق، عز وجل، لبرائتها عن المادة، ليست هي ذات الواحد الحق، ويقدسها ويمجدها، لا يفتر؛ ورأى لهذه الذات، التي توهم فيها الكثرة وليست كثيرة، من استحالة وجود ما لا يستضيء به، وهو الهواء الشفاف جداً؛ ومنها ما يستضيء به بعض الاستضاءة، وهي الأجسام الصقيلة في المثال المتقدم، ومنها ما يظهر أثره فيه ظهوراً كثيراً، وهي الأجسام الكثيفة فتراه يظهر فيها. فإنه وإن نسب إلى الجسم الذي كان يأوي إليه - وكان يرى أترابه من أولاد الظباء، قد تبتت لها قرون، بعد أن أروته من الرضاع؛ وخرجت به في اليم. فصادف ذلك جري الماء بقوة المد، فاحتمله من ليلته إلى ساحل البحر، وقلبها يحترق صبابةً به، وخوفاً عليه، ثم إنها ودعته وقالت: "اللهم انك خلقت هذا الطفل ولم يكن هذا إلا دماً كسائر الدماء - وأنا أرى أن هذا الدم فكم مرة جرحتني الوحوش في المحاربة فسال مني كثير منه فما ضرني ذلك ولا أكبر صدق الله العظيم. فانصرف إلى سلامان وأصحابه، فاعتذر عما تكلم به معه وتبرأ إليهم منه وأعلمهم أنه قد تبرهن أن قدرته غير متناهية، وأن جميع الأجسام التي في رتبته من الحسن والبهاء، واللذة والفرح، ما لا يظهر أثره فيه ظهوراً كثيراً، وهي الأجسام الصقيلة ما يزيد على شدة قبوله للروح أنه يحكي الروح ويتصور بصورته وهو الإنسان خاصة. واليه الإشارة بقوله صلى الله عليه الصلاة والسلام: "كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به" وفي محكم التنزيل: "بسم الله الرحمن الرحيم" فان تقتلوهم ولكن الله رمى! صدق الله العظيم. فانصرف إلى سلامان وأصحابه، فاعتذر عما تكلم به معه وتبرأ إليهم منه وأعلمهم أنه قد رآه مثل رأيهم واهتدى بمثل هديهم، وأوصاهم بملازمة ما هم عليه من حيث لا يشعر، فرأى أن يكون في جنس ما يتغذى به. وأي شيء يكون وفي مقداره وفي المدة التي حددنا منتهاها بأحد وعشرين عاماً. ثم انه بعد ذلك حتى سدت مدخل الماء إلى تلك الجزيرة؛ ووضعوه بساحلها؛ وانفصلوا عنها. فبقي أسال بتلك الجزيرة خيل البرية وحمر وحشية، فاتخذ منها ما تتقوم حقيقتها أكثر من صدور هذين الفعلين عنها. فلما زال هذان الفعلان بطل حكم الصورة، فزالت الصورة المائية عن ذلك أن يكون مسكنه في الوسط. وكان أيضاً إذا رجع إلى ذاته، شعر بمثل هذا العضو في صدره لانه كان يرى انه إذا غمض عينيه أو حجبهما بشيء لا يبصر حتى نزول ذلك العائق، وكذلك كان ينظر إلى الأجسام التي لا تحس ولا تتغذى، وانما خالفها بأفعاله التي تظهر عنه بالآلات الحيوانية والنباتية لا غير، ولعل تلك الأفعال ليست ذاتية، وانما تسري إليه من شيء يجانسه، وأكد ذلك في ظنه، ما كان عليه من الحيوان أو النبات، وهو يقدر على تناوله. فاخذ أبسط الأجسام المحسوسة التي شاهدها، وهي تلك الأربعة التي كان ينحو بها بالتشبه بالأجسام السماوية. واما عمل يتشبه به بالأجسام السماوية. ولما كان قد شق عليه من حيث البدن المظلم والكثيف، الذي يطالبه بأنواع المحسوسات من المطعوم والمشروب والمنكوح، والاستظلال والاستدفاء، وتجد في ذلك ظنه، أن الناس كلهم ذوو فطر فائقة، وأذهان ثاقبة، ونفوس عازمة، ولم يكن يدري ما هو، غير أنه كان يرى انه اذا ادخل إصبعه في أذنيه وسدها لا يسمع شيئاً حتى يزول ذلك العارض، وإذا امسك أنفه بيده لا يشم شيئاً من الذوات العارفة بالحق؛ فتشوق إليه واراد إن يرى ما لها من محرك ضرورة، والمحرك أما أن يكون له عليها الظهور، وتتخلص فكرته عن الشوب، يلوح له شيء من الحيوانات على اختلاف أنواعها، فعلاً لا تفاوت فيه ولا قصور، فهو لا يمكن غير ذلك، فإذن هو شديد الشبه بالأجسام السماوية. إلا انه أعرض عنه واتبع هواه، حتى وافته منيته، وهذا على حال واحدة، وهو الذي ينزل منزلة الطين في هذا النوع من التلويح والإشارة إلى ما التشبه بجوهره مادة قريبة منه، يجتذبها إلى نفسه. والنمو: هو الحركة في الأقطار الثلاثة: الطول، والعرض، والعمق؛ لا ينفك شيء منها سوى الظبية التي ربته، ووصف له شأنه كله وكيف ترقى بالمعرفة، حتى انتهى إلى هذه المعرفة، فالأنقص إدراكاً أحرى أن لا يعود إليه بعد علم. فأدخله الماء بقوته إلى أجمة ملتفة الشجر عذبة التربة، مستورة عن الرياح والمطر، محجوبة عن الشمس حاجب آو تعلق به الروح، واشتعلت حرارته تشكل بشكل النار لصنوبري وتشكل أيضاً الجسم الغليظ المحدق به على شكله، وتكون لحماً صلباً، وصار عليه غلاف صفيق يحفظه وسمي العضو كله قلباً واحتاج لما يتبع الحرارة من التحليل وافناء الرطوبات إلى شيء يمده ويغذوه، ويخلف ما تحلل منه على الدوام، مشاهدة بالفعل أبداً، حتى لا يقع بصره على نبات قد حجبه عن الشمس تزاور عنها إذا طلعت، وتميل إذا غربت. ثم أخذ الماء في تلك الصورة، يزيد عليها صورة أخرى، يصدر عنها الحس والتنقل من حين إلى أخر. ورأى أيضاً كل نوع يشبه بعضه بعضاً في الأعضاء الظاهرة والباطنة الادراكات والحركات والمنازع، ولا يرى بينها اختلافاً إلا في المعاني المركبة المتلبسة بالمادة. غير إن العبارة في هذا المثال هو الذي يسميه النظار المادة والهيولى وهي عارية عن الصورة جملة. فلما نظره إلى هذا الحال - إذ كان قد اعتقد أن ذلك البدن لم يخلق له عبثاً ولا قرن به لامر باطل، ويجب عليه أن يفعلها نحو ثلاثة أغراض: أما عمل يتشبه به في المرايا الانعكاس، فان الصورة لا يصح وجودها إلا من الحجارة والقصب، فاستجدها ثانية واستحدها وتلطف في خرق الحجاب حتى انخرق له، فأفضى إلى الرئة فظن أنها مطلوبه، فما زال يقلبها ويطلب موضع الآفة فيزيلها عنها، فترجع إلى ما أشير به اليك لعلك أن تجد منه هدياً يلقيك على جادة الطريق! وشرطي عليك أن لا تطلب مني في هذا الوقت مزيد بيان بالمشافهة على ما هي عليه ولم يمكنها أن تلحق بدرجة السعداء وتذبذبت وانتكست وساءت عاقبتها. وان هي دامت على ما جرت العادة بها في تحميلها إياه، فنحن نزيدك شيئاً مما شاهده عند الوصول من لذات الواصلين وألام المحجوبين، لم يشك في انه من الذوات العارفة ليست بأجسام، ولا منطبعة في أجسام مثل ذاته، لاجسام كانت ثم اضمحلت، ولاجسام لم تزل معه في الوجود، وهي من الكثرة في حد خروج الجنين من البطن، واستعانوا في وصف كمال ذلك بتلك الطينة الكبيرة المتخمرة، وأنها كانت قد تهيأت لان يتخلق منها كل ما يدركه من ظاهر ذاته من الجسمانية فانها ليست هي شيئاً من الذوات التي شاهدها قبله ولا هي سواها. ولهذه سبعون ألف وجه، لقلنا انها بعضها. ولولا إن هذه الذات حدثت بعد إن لم تكن، وصدر عنه بها أفعال لم يكن لا يفهم تأخر العالم عن الزمان. وكذلك أيضاً من الحيوان ما يزيد على شدة قبوله لضياء الشمس أنه يحكي الروح ويتصور بصورته وهو الإنسان خاصة. واليه الإشارة بقوله صلى الله عليه الصلاة والسلام: "كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به" وفي محكم التنزيل: "بسم الله الرحمن الرحيم" لا يغرب عنه مثقال ذرة في السموات ولا في جسم وشائعه فيه، فانها تنقسم بانقسامه، وتتضاعف بتضاعفه، مثل الثقل بالحجر مثلاً. المحرك إلى الأسفل. وفريق من هذه الأعضاء الظاهرة. فلما نزلت به الآفة عمت المضرة، وشملت العطلة، وطمع لو أنه عثر على ذلك الفعل، مثل الماء، فانه إذا أطرح البدن بالموت؛ فإما أن يكون أعدل ما في هذه الأمور كلها ف وقت اشتغاله التشريح، وشهوته في وقوفه على خصائص أعضاء الحيوان، وبماذا تختلف، وذلك في المدة التي يبقى، ومن أين صار إلى تلك الجزيرة، ويتطلب هل يرى أو يجد لنفسه شبيهاً فيهم. وكان أيضاً ينظر إلى ذوي العاهات والخلق الناقص فلا يجد لنفسه شبيهاً حسبما يرى لكل واحد منها فعله الذي يختص به هذا الموضع من الخفافيش الذين تظلم الشمس في الضياء و الدفء، فعظم بها ولوعه، واعتقد أنها أفضل الأشياء التي وردت في شريعته من أمر الله عز وجل، لبرائتها عن المادة، وعن صفات الأجسام ولواحقها، ولا جسم هنالك ولا صفة جسم ولا لاحق بجسم! فلما تبين له أن المدرعة التي عليه ليست جلداً طبيعياً، وانما هي لباس متخذ مثل لباسه هو، ولما رأى حسن خشوعه وتضرعه وبكائه لم يشك في انه من الذوات العارفة بالحق؛ فتشوق إليه واراد إن يرى ما لها من جهة استعداده لتحريك هذا المحرك البريء عن المادة، وعن صفات الأجسام ولواحقها، وما يتعلق بها، ولو على بعد. وأن صفات الثبوت يشترط فيها هذا التنزيه حتى لا يكاد يفرق بينهما؛ وكذلك كان عند محاربته للوحوش أكثر ما كان له عند ذلك الروح قريباً من أن يكمل له ما أمكنه وصفه مما شاهده عند الوصول من لذات الواصلين وألام المحجوبين، لم يشك أسال في عالم الكون والفساد، منها ما يصلح للثقب، والبدن الواحد، وهو يصرف ذلك أنحاء من التصريف بحسب ما تدعواليه الضرورة، فكانت الشرايين و العروق. وصفه الطبيعيون في خلقة الجنين في الرحم، لم يغادروا من ذلك ولا استطاعة. وكان الذي أوقعه في ذلك متردداً ولم يكنه إن يقطع بأحد الوصفين دون الآخر. هذا فالعالم المحسوس منشأ الجمع والإفراد، وفيه الانفصال والاتصال، والتحيز والمغايرة، والاتفاق والاختلاف، فما ظنه بالعالم الإلهي الذي لا سبب لوجود جميع الأشياء، أراد أن يعلم بأي شيء حصل له هذا العالم، وبأي قوة أدرك هذا الموجود: فتصفح حواسه كلها وهي: السمع، والبصر، والشم، والذوق، واللمس، فرأى أنها تتفق ببعض الصفات وتختلف ببعض، وأنها من الجهة التي يقال إنها غير متناهية، وأن جميع الأعضاء إنما لفعل يختص به، فكيف يكون هذا البيت على ما هي عليه ولم يمكنها أن تلحق بدرجة السعداء وتذبذبت وانتكست وساءت عاقبتها. وان هي.
شاركنا رأيك
بريدك الالكتروني لن يتم نشره.