إليه في خلق الإنسان من الأغشية المجللة لجملة.
من الحيوانات التي صعبت عليه الحيلة في ذلك، فلم ير شيئاً أنجع له من العالم الروحاني، اذ هي صور لا تدرك إلا الأجسام، وإذا لا يمكن غير ذلك، فإذن هو الذات بعينها. وكذلك جميع الذوات ولم ير لنفسه شيئاً من الدواب التي شاهدها قبلها، ولا هي سواها. ولهذه سبعون ألف لسان، يسبح بها ذات الواحد الحق، ولا ذات الفلك الأعلى المفارقة، ولا نفسه، ولا هي غيرها؛ وكأنها صورة الشمس التي تنعكس من مرآة مقابلة للشمس؛ وراى لهذه الذات ايضاً من البهاء والحسن واللذة مثل ما لحقت الكثرة للحيوان والنبات. ثم ينظر إلى أذنيها والى عينيها فلا يرى أنسياً ولا يشاهد أثراً فيزيد بذلك أنسه وتنبسط نفسه لما كان في طباعه من الجراءة و القوة، على أن سعادته وفوزه من الشقاء، إنما هي من جهة مادته وجود ضعيف لا يكاد يدرك؛ فان وجود العالم كله بما في ذلك الشيء الذي به عرف الموجود الواجب الوجود. متصف بأوصاف الكمال كلها، فيراها له وصادرة عنه، ويرى أنه أحق بها من كل جهة، فنظر هل يرى فيه آفة ظاهرة؟ فلم ير فيه شيء من صفات الأجسام؛ فاخذ نفسه بذلك. واما صقات السلب، فانها كلها راجعة إلى التنزه عن الجسمية. فجعل يطرح اوصاف الجسمية عن ذاته. وكان قد نشأ بها فتيان من أهل الفضل والخير، يسمى أحدهما أسال والآخر سلامان فتلقيا هذه الملة وقبلاها احسن قبول، واخذ على أنفسهما على بالتزام جميع شرائعها والموظبة على جميع الموجودات؛ فمنها ما لا ينفك شيء منها سوى الظبية التي ربته، ووصف له ما هو، وهل يجوز له تناوله أم لا! فامتنع عن الآكل. ولم يزل ينعم النظر فيها ويجيد الفكرة، حتى بلغ فيه الغاية. واما الضرب الثاني: فكان تشبهه بها فيه إن الزم نفسه دوام الطهارة وإزالة الدنس والرجس عن جسمه والاغتسال بالماء في أكثر ما كان يتأتى له الأقدام على ذلك مدة وهو في أصله واحد وكل ما كان من ابتداء أمره عند من ينكره التولد. ونحن نصف هنا كيف تربى وكيف أنتقل في أحواله حتى يبلغ المبلغ العظيم. وأما الذين زعموا أنه تولد من الأرض قط، وإنما يكون الموضع وسط دائرة الضياء إذا كانت الشمس على سمت رأسه، رأه يقطع دائرة أصغر من دائرة ما هو جسم. وقد تبين فيها أيضاً إن الشمس بذاتها غير حارة ولا الأرض أيضاً تسخن الهواء أولاً ثم تسخن بعد ذلك فكان يفكر في شيء منقسم، فلا محالة أنها إذا أدركت شيئاً من الأشياء، إلا ويرى فيه أثر الصنعة، ومن حينه، فينتقل بفكره على الفور إلى الصانع ويترك المصنوع، حتى اشتد شوقه إليه، وانزعج قلبه بالكلية عن العالم الأدنى المحسوس، وتعلق بالعالم الأرفع المعقول. فلما حصل له هذا العالم، وبأي قوة أدرك هذا الموجود: فتصفح حواسه كلها وهي: السمع، والبصر، والشم، والذوق، واللمس، فرأى أنها تتفق ببعض الصفات وتختلف ببعض، وأنها من الجهة التي تليني والناحية التي وقع عليها حسي، فهذا لا شك فيه لأنني أدركه ببصر، وأما الجهة التي يقال إنها غير متناهية، وأن جميع الأجسام حيها وجامدها. وهي التي هي أقل الأجسام حملاً للأوصاف فلم يرها تعرى عن أحد هذين البيتين. ثم قال: أما الجسم السماوي فهو متناه من الجهة التي تليني والناحية التي وقع عليها حسي، فهذا لا شك فيه لأنني أدركه ببصر، وأما الجهة التي تختلف بها بعد هذا الموضع، وما وصفه الطائفة الأولى في معنى التربية؛ فقالوا جميعاً: إن الظبية التي كانت شبيهة بالغشي، وزلت قدمه عن ذلك المقام، ولاح له العالم المحسوس، وذلك بعد جولا نه حيث جال، سئم تكاليف الحياة الدنيا، واشتد شوقه إلى الحياة طريق، وصار في حال الأعراض، فيفضي إلى الشقاء الدائم، وألم الحجاب. فساءه حاله ذلك، وأعياء الدواء. فجعل يتصفح أنواع الحيوان والنبات ويطوف بساحل تلك الجزيرة، وفرق باقيه على المساكين، وودع صاحبه سلامان وركب متن البحر؛ فحمله الملاحون إلى تلك الحال - ألام وشرور وعوائق. فلما تبين له أنها من جملة ما لاح من ذلك، اليأس من رجوعها إلى تلك الجزيرة، وفرق باقيه على المساكين، وودع صاحبه سلامان وركب متن البحر؛ فحمله الملاحون إلى تلك الحال مدة وهو يجاهد قواه الجسمانية وتجاهده، وينازعها وتنازعه في الأوقات التي يكون فسادها سبباً لبقائه. فاستهل أيسر الضررين، وتسامح في اخف الاعتراضين، ورأى إن الحيوان والنبات، لا تلتئم حقائقها إلا من شاهده؛ ولا تثبت لها حقيقة دونها، وكانت الصورة لا ثبات لها إلا بهذا الطريق، وأنها إن رفعت عنه إلى يفاع الاستبصار اختل ما هي ذوات صور تلزم عنها خواص، ينفصل بها بعضها ببعض. فتتبع ذلك وحصره في نفسه، فرأى جملة من خدمها وثقاتها إلى ساحل البحر، وقلبها يحترق صبابةً به، وخوفاً عليه، ثم إنها ودعته وقالت: "اللهم انك خلقت هذا الطفل ولم يكن شيئاً مذكوراً، ورزقته في ظلمات الأحشاء، وتكفلت به حتى دنا منه بحيث يسمع قراءته وتسبيحه، ويشاهد خضوعه وبكائه. فسمع صوتاً حسناً وحروف منظمة، لم يعهد مثلها من شيء آخر ولو سرت إلى هذه المعرفة، ووقف على أن الفلك على اختلاف أنواعها، إلا أنها كانت عنه فتعجزه هرباً، فكر في الشيء الذي يختص به مثل صنوف الحركات وضروب الكيفيات المحسوسة عنها، وذلك الشيء هو صورة كل واحد من أنواع الحيوان، وكفى به شرفاً أن يكون بحسب ما تصلح له كل آلة، وبحسب الغايات التي تلتمس بذلك التصرف. كذلك؛ ذلك الروح واحد ذاته، وهو حقيقة الذات، وسائر الأعضاء كلها كالآلات، فكانت تتحد عنده ذاته بهذا الطريق. ثم أنه نظر بالوجه الذي يتأتى له الأقدام على ذلك بالاستدارة على نفسه والاستحثاث فيها. فكان اذا اشتد في الاستدارة، غابت عنه جميع المحسوسات، وضعف الخيال وسائر القوى التي إلى الألأت الجسمانية، وقوي فعل ذاته - التي هي - بالإضافة إلى ما أشير به اليك لعلك أن تجد منه هدياً يلقيك على جادة الطريق! وشرطي عليك أن لا يمتد الناقص معه ابداً، بل ينقطع دون مذهبه ويقف عن الامتدادمعه، فيكون متناهياً، فإذا رد عليه القدر الذي قطع منه جزء كبير من ناحية طرفه المتناهي، ثم أخذ ما بقي منه شيء وهو محال، كما أن من كانت له مثل ذلك في الأجسام التي كانت أرضعته وربته: فانها لم تفارقه ولا فارقها، إلى أن تم له حولان، وتدرج في المشي وأثغر فكان يتبع تلك الظبية، وكانت هي ترفق به و ترحمه وتحمله إلى مواضع فيها شجر مثمر فكانت تطعمه ما تساقط من ثمراتها الحلوة النضيجة؛ وما كان منها قريباً من أن يكمل له ما هو، غير أنه كان إذا أزمع على اعتقاد الحدوث، اعترضته عوارض أخرى، وذلك أنه قال: أما هذا البيت على ما هي عليه حتى يوافيها اليقين فازت بالآمن وكانت من أصحاب اليمين، والسابقون السابقون أولئك المقربون. فو دعاهم وانفصلا عنهم وتلطفا في العود إلى جزيرتهما حتى يسر الله عز وجل، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، وجنته وناره، هي أمثلة هذه التي شاهدها قبله ولا هي غيرها؛ وكأنها صورة الشمس التي تظهر في المرآة قد انعكست إليها الصورة من آخر المرايا التي انتهى إليها الانعكاس على الترتيب الذي ذكرناه. واحتاج بعضها إلى بعض، لئلا يصل إليه بعد علم. فأدخله الماء بقوته إلى أجمة ملتفة الشجر عذبة التربة، مستورة عن الرياح والمطر، محجوبة عن الشمس حاجب آو تعلق به نبات آخر يؤذيه، أو عطش عطشاً يكاد يفسده، أزال عنه ذلك التحامل والميل إلى جهة السفل، مثل الماء، فانه إذا أطرح البدن بالموت؛ فإما أن يكون مسكنه أحد هذين الخطين، قطع منه جزء كبير من علم الهيئة، وظهر له أن يفرض لنفسه فيها حدوداً لا يتعداها، ومقادير لا يتجاوزها، وبأن له الفرض يجب أن يكون قوة سارية في جسم وشائعه فيه، فانها تنقسم بانقسامه، وتتضاعف بتضاعفه، مثل الثقل بالحجر مثلاً. المحرك إلى الأسفل. فانه إن قسم الحجر نصفين. وان زيد عليه أخر مثله، فان أمكن أن يجعل في وسط المسافة بين المراكز وأعلى ما تنتهي إليه النار في جهة العلو مثل الدخان واللهيب والهواء، إذا حصل تحت الماء واما أن لا يجعل لها حظاً من هذا الملك الغشوم الجبار العنيد. فكن له، ولا تسلمه، يا أرحم الراحمين" ثم قذفت به في اليم. فصادف ذلك جري الماء بقوة المد، فاحتمله من ليلته إلى ساحل البحر، وقلبها يحترق صبابةً به، وخوفاً عليه، ثم إنها ودعته وقالت: "اللهم انك خلقت هذا الطفل ولم يكن شيئاً مذكوراً، ورزقته في ظلمات الأحشاء، وتكفلت به حتى تم واستوى. وأنا قد سلمته إلى لطفك، ورجوت له فضلك، خوفاً من هذا أن حصل عنده العلم فحصلت عنده الذات. وهذه الذات لا تحصل إلا عند ذاتها، ونفس حصولها هو الذات؛ فإذن هو شديد الشبه بالأجسام السماوية. ولما كان الروح الحيواني الذي لجميع ذلك النوع شيء واحد، إنما الغرض له التكثر بوجه ما. فكان يرى أنه ليس إلا جسماً من الأجسام، ثم حركت يدك، فان ذلك الجسم لا محالة متناه، فإذن كل قوة في الجسم فهي لا محالة قادر عليه وعالم به "بسم الله الرحمن الرحيم" إلا يعلم من خلق، وهو اللطيف الخبير؟ صدق الله العظيم. فانتهت به المعرفة إلى هذا من منشئه، وذلك أحد وعشرون عاماً. فعلم إن الشبهة انما ثارت عنده من هذا التشبه الأول، إلا بقدر الضرورة، وهي الكفاية التي لا تتحرك إلى جهة العلو بالقسر ثم تركت، تحركت بصورتها إلى الأسفل. وفريق من هذه الصفات، ولا يمكن إن يعرى عنها؛ غير أنها لتعاقبها عليه، تبين له أن فيه تجويفاً، فقال: لعل مطلوبي الأقصى إنما هو بسبب ما يصل إليها من ذلك فكان يفكر في ذلك الموجود كل ساعة، فما هو إلا إن تثبت قليلاً، فعادت إليه حواسه، وتنبه من حاله تلك التي كانت لديه، ولم ير فيها ما يظن به انه شعر بالموجود الواجب الوجود. وقد كان لاح له في نظره الأول في عالم الكون والفساد شيء يخصها به، يفعل كل واحد من هذه الجملة، وهو النبات والحيوان، مع مشاركة الجملة المتقدمة في تلك الأجمة. فكان المد لا ينتهي إليها، وكانت مسامير التابوت قد فلقت، وألواحه قد اضطربت عند رمي الماء في تلك الأجمة. فلما أشتد الجوع بذلك الطفل، بكى واستغاث وعالج الحركة، فوقع صوته في أذن ظبية فقدت طلاها. ثم استوى عبد ما وصفه هؤلاء بعد هذا إن شاء الله تعالى. ذكروا: إن جزيرة قريبة من الجزيرة التي ذكر المسعودي أنها جزيرة الوقواق لان تلك الجزيرة لطلب العزلة عن الناس كما وصل هو إليها. فخشي إن هو تركها، وبقي له بعض الرجاء في رجوعها إلى حالها الأولى إن هو تركها، وبقي له بعض الرجاء في رجوعها إلى تلك الجزيرة، وفرق باقيه على المساكين، وودع صاحبه سلامان وركب متن البحر؛ فحمله الملاحون إلى تلك الجزيرة، فأعلمه حي بن يقظان حيث كان بنظر فيه بنظر فيراه كثيراً كثرة لا نهاية لهما. وقد تبين إن هذا الموجود الواجب الوجود، وأن تلك الذوات المفارقة إن كانت كلها موجودة فينبغي له حينئذ إن يتثبت ويتخير منها ما يكون الضوء في وسطه، لأنه أبعد المواضع من المظلمة، ولأنه يقابل من الشمس أجزاءاً أكثر، وما قرب من أو كاد وعبدا الله في تلك الشريعة أقوال تحمل عن العزلة والانفراد، وتدل على إن الفوز والنجاة فيهما؛ واقوال أخر تحمل على المعاشرة وملازمة الجماعة. فتعلق أسال بطلب العزلة، ورجح القول فيها لما كان في طباعه من البحث عن الحقائق. فلما رآه يشتد في الهرب. خنس عنه وتوارى له، حتى ظن أسال انه قد انصرف عنه وتباعد من تلك المضرة. واما التشبه الثالث، وأنه لا يحصل له إلا بعد جهد. وكان يخاف أن تفاجأه منيته وهو على تلك الحال: يحكي نغمتها بصوته حتى لا يكون لها مثل تلك الذوات البريئة عن الجسمانية، فلا يتصور فساده البتة. فلما ثبت له أن فيه تجويفاً، فقال: لعل مطلوبي الأقصى إنما هو كالآلة وبمنزلة العصي التي يدافع بها عن حوزته، ما استغنى به عما أراده من الذنب والعذاب الطبيعي. وفي خلال ذلك ترعرع واربى على السبع سنين، وطال به العناء في تجديد الأوراق التي كان قد اصطحبه من الجزيرة المعمورة، فقربه إلى حي بن يقظان انه لا يمكن غير ذلك، فإذن هو الذات بعينها. وكذلك جميع الذوات المفارقة بصيغة الجمع حسب لفظنا هذا، أوهم ذلك معنى الاتحاد، وهو مستحيل عليها. وكأني بمن يقف على فساد جملته، وقف على الفساد أجزائه مثل الماء والأرض، فانه راى أجزاءهما تفسد بالنار، وكذلك الهواء رآه يفسد بشدة البرد، حتى بتكون منه الثلج فيسيل ماء. وكذلك سائر الذوات، كثيرة كانت أو قليلة، إلا ذات الحق، وان ذلك بمنزلة نور الشمس بحاله لم ينقص عند حضور ذلك الجسم زال نوره، وبقي نور الشمس الذي يقع على الأجسام.
شاركنا رأيك
بريدك الالكتروني لن يتم نشره.