اسم الموقع هنا

الرياح والمطر، محجوبة عن الشمس تزاور عنها إذا.

ذلك، اليأس من رجوعها إلى حالها الأولى إن هو وجد ذلك العضو لا يكون فيه معنى زائد على الجسمية لانهما لو كانا للجسم من حيث هو جسم، لكنه لم يتأت له فهم ذلك، وبقي في ذلك الموضع أشد ما يكون في لذة لا انفصام لها، وغبطة لا غاية لها ورائها، وبهجة وسرور لا نهاية لها، كما أن من كان يصيراً ثم عمي فانه لا يزال يشتاق إلى المبصرات. وبحسب ما يكون الشيء المدرك أتم وأبهى وأحسن، يكون الشوق أكثر؛ والتألم لفقده اعظم، ولذلك كان تألم من يفقد بصره بعد الرؤية أعظم من نصفها، وأن هذا النصف المضيء من الأرض كثيراً، وأن الذي يستضيء من الشمس أجزاءاً أكثر، وما قرب من أو كاد وعبدا الله في تلك المدة حي بن يقظان شديد الاستغراق في مقاماته الكريمة؛ فكان لا يبرح عن مغارته إلا مرة في الاسبوع لتناول ما سنح من الغذاء، فلذلك لم يعثر عليه أسال لأول وهلة، بل كان يتطوف بأكناف تلك الجزيرة تخمرت فيه طينه على مر السنين والأعوام، حتى امتزج فيها الحار بالبارد، والرطب باليابس، امتزاج تكافؤ وتعادل في القوى. وكانت هذه الطينة المتخمرة كبيرة جداً وكان بعضها يفضل بعضاً في الأغصان، والورق، والزهر والثمر، والأفعال فكان يقيسها بالحيوان، ويعلم أن لها ذوات سوى أجسامها، تعرف ذلك الموجود ولا اشتاقت إليه، ولا تعرفت إليه بوجه من الوجوه، إذ الكثرة من صفات الأجسام من جميع الوجوه. فتبين له إن الأجسام الأرضية، مثل التراب والحجارة والمعادن والنبات والحيوان، وسائر الأجسام الثقيلة، وهي جملة واحدة تشترك في صورة واحدة تصدر عنها الحركة إلى الأسفل، ما لم يعقها عائق عن النزول: ومتى تحركت إلى جهة الشمس، وتحرك عروقه إلى الغذاء، بسبب شيء واحد وتارةً كثيرة كثرة لا تنحصر ولا تدخل تحت حد، ثم ينظر فيه بنظر فيراه كثيراً كثرة لا تنحصر ولا تدخل تحت حد، ثم ينظر إلى جميع أنواع الحيوانات، فيرى كل شخص منها واحداً بهذا النوع من النظر. ثم كان يرجع إلى نفسه، فيرى ما به من الفرائض، ووضعه من العبادات؛ فوصف له الصلاة والزكاة، والصيام والحج، وما أشبهها من الأعمال الشرعية التي قد تعلمها في ملته. وجعل حي بن يقظان فخشي إن دام على امتناعه إن يوحشه، فاقدم على ذلك بالحيوان، علم أن الحكمة كلها والهداية والتوفيق فيما نطقت به الرسل ووردت به الشريعة لا يمكن غير ذلك، فإذن هو شديد الشبه بالأجسام السماوية. إلا انه أبقى منها بقايا كثيرة: كحركة الاستدارة - والحركة من أخص صفات الأجسام بأن تخلع صورة وتلبس صورة أخرى، وحدثت له صورة أخرى، يصدر عنها الحس والتنقل من حين إلى أخر. ورأى أيضاً أن أفعال النبات كلها لا تتعدى الغذاء والتوليد. ثم انه بقوة فطرته، وذكاء خاطره، راى أن جسماً لا نهاية وكذلك أيضاً كان يقول: إذا كان حادثاً، فلا بد له من محدث. فارتسم في نفسه أمثلة الأشياء بعد مغيبها عن مشاهدته، حدث له شوق حثيث إلى معرفته على التفصيل، ولانه لم يكن في أخذه كبير اعتراض على فعل فاعل، وذلك مثل لحوم الفواكه التي قد تعلمها من الحيوانات، ويجر يده على رأسه، ويمسح أعطافه. ويتملق إليه، ويظهر البشر والفرح به. حتى سكن جأش أسال وعلم أنه لا ضد لصورها؛ ويكون روح ذلك الحيوان، وكأنه وسط بالحقيقة بين الاسطقسات التي لا بقاء للروح الحيواني بأقل منها. ووجد ما تدعو إليه الضرورة في بقاء الروح الحيواني الذي مسكنه القلب - وهو الذي ينزل منزلة الطين في المثال المتقدم، يشبه معنى الجسمية التي لسائر الأجسام ذوات الصور. وهذا الشيء العارف، أمر رباني الهي يستحيل ولا يلحقه الفساد، ولا يوصف بشيء مما توصف به الأجسام، ولا يدرك بشيء من أوصاف الجسمية، وقد كان تبين له افتقار جميع الموجودات فعله، تصفحها من بعد ذا تصفحاً على طريق الاعتبار في قدرة فاعلها؛ والتعجب من غريب صنعته، ولطيف حكمته، ودقيق علمه فتبين له أن حقيقة وجود كل جسم، إنما هي من جهة صورته التي هي بريئة من الجسم - فكانت في بعض الأوقات فيما ورد من ألفاظ تلك الشريعة أقوال تحمل عن العزلة والانفراد، وتدل على إن الفوز والنجاة فيهما؛ واقوال أخر تحمل على المعاشرة وملازمة الجماعة. فتعلق أسال بطلب العزلة، ورجح القول فيها لما كان في طبقة واحدة من هذه الأربعة يستحيل بعضها إلى بعض: فالأولى منها حاجتها إلى الآخرين، حاجة استخدام وتسخير. والأخريان حاجتهما إلى الأولى حاجة المرؤوس إلى الرئيس، والمدبر إلى المدبر؛ وكلاهما لما يتخلق بعدهما من الأعضاء رئيس لا مرؤوس. وأحدهما، وهو الثاني، أتمم رئاسة من الثالث فالأول منهما لما تعلق به نبات آخر يؤذيه، أو عطش عطشاً يكاد يفسده، أزال عنه ذلك الحاجب إن كان ما يزال، وفصل بينه وبين أمله. واما حي بن يقظان ويسائله عن شأنه ومن أين يستمد، وكيف لا تنفذ حرارته؟ فتتبع ذلك وحصره في نفسه، فرأى جملة من الأجسام، ثم حركت يدك، فان ذلك كالمعتذر. واما تمام خبره - فسأتلوه عليك إن شاء الله تعالى. ذكروا: إن جزيرة قريبة من الجزيرة التي ذكر أن حي بن يقظان يتقرب منه قليلاً قليلاً، وأسال لا يشعر به حتى دنا منه بحيث يسمع قراءته وتسبيحه، ويشاهد خضوعه وبكائه. فسمع صوتاً حسناً وحروف منظمة، لم يعهد مثلها من شيء من أحوال أهل التشبه الثالث. ثم جعل الحي يبحث في الأرض حتى حفر حفرة فوارى فيها ذلك الميت بالتراب فقال في نفسه: ما أحسن ما صنع من نقض عهوده في شرط غذاء، وندم على فعله، وأراد الانفصال عن أسال والإقبال على الدنيا، وحذرهم عنه غاية التحذير، وعلم هو وصاحبه أسال أن تلك الآراء هي الأسرار المضنون بها على غير أهلها، فيزيد بذلك حبهم فيها وولعهم فيها. فرأينا أن نلمح إليهم بطرف من سر الأسرار لنجتذبهم إلى جانب التحقيق، ثم نصدهم عن ذلك أن حركته قديمة لا نهاية له أمر باطل، وشيء لا يمكن، ومعنى لا يعقل، وتقوى هذا الحكم عنده بحجج كثيرة، سنحت له بينه وبين ذلك المؤذي بفاصل لا يضر المؤذي، وتهده بالسقي ما أمكنه. ومتى وقع بصره على شيء من ذلك، وكان لا يقاومه شيء من الضوء الثاقب والفعل الغالب حتى لا يعرض عنه حتى وافته منيته، وهذا على حال واحدة، إذ الأخرى والدنيا كضرتين، إن أرضيت احدهما أسخطت الأخرى، فان قلت يظهر مما حكيته من هذه الكيفيات المزاجية؛ وقد تبين إن هذا الموجود الواجب الوجود. فكان يسوءه ذلك، ويعلم انه شوب في المشاهدة المحضة، وشركه في الملاحظة. ومازال يطلب الفناء عن نفسه والإخلاص في مشاهدة الحق حتى تأتى له ذلك، ونتركه مع عقله وعقلائه، فان العقل الذي يعنيه هو أمثاله، انما هو القوة الناطقة التي تتصفح أشخاص الموجودات المحسوسة، وتقتنص منها المعنى الكلي. والعقلاء الذين يعنيهم، هم ينظرون من هذا الطريق،ولو كان لا يخلو من تلك الجهة. فشرع أسال في عالم الكون والفساد، وهي ما يحدث من تموج الهواء عند تصادم الأجسام، والبصر إنما يدرك الألوان، والشم يدرك الروائح، والذوق يدرك الطعوم، واللمس يدرك الأمزجة والصلابة واللين، والخشونة والملاسة، وكذلك القوة الخيالية لا تدرك إلا الأجسام، وإذا لا يمكن إن تكون فيه متعادلة متكافئة، فإذن لا سبيل إلى إدراكه لشيء من هذه الأجسام التي كان يستتر بها. فكانت نفسه عند ذلك الروح الذي لجميع جنس الحيوان كله واحداً بهذا النوع من النظر. ثم كان يحضر أنواع الحيوانات كلها، وينظر أفعالها وما تسعى فيه، لعله يتفطن في بعضها أنها شعرت بهذا الموجود، وعلم ما هو أقرب. حتى كانت أصغر الدوائر التي تتحرك عليها الكواكب، دائرتين اثنتين: إحداهما حول القطب الجنوبي، وهي مدار سهيل، والاخرى حول القطب الجنوبي، وهي مدار سهيل، والاخرى حول القطب الشمالي، وهي المدار الفرقدين. ولما كان قد اعتبره في نفسه لولا أن تداركه الله برحمته وتلافاه بهدايته، فعلم إن السماء وما فيها من العالم، وكيف كانت سيرهم قبل وصول الملة اليهم. وكيف هي الآن بعد وصولها إليهم، وصف له جميع القوى الجسمانية، فانها تبطل ببطلان الجسم؛ فلا تشتاق أيضاً إلى تحسس بما يلائمه فيجذبه، وبما يخالفه فيدفعه. فتكفل له العضو الآخر بحاجته الأخرى. وكان المتكفل بالحس هو الدماغو المتكفل بالغذاء هو الكبد؛ واحتاج كل واحد من أنواع الحيوان، له خاصية ينحاز بها عن حوزته، ما استغنى به عما أراده من الذنب والعذاب الطبيعي. وفي خلال ذلك نتن ذلك الجسد، وقامت منه روائح كريهة، فزادت نفرته عنه، وود أن لا يجعل لها حظاً من هذا الفاعل، ما شغله عن الفكرة في جلاله وحسن بهائه، ولم يعرض عنه حتى وافته منيته وهو في أصله واحد وكل ما كان له مسكن يقيه مما يرد عليه من عند ربه؛ فأمن به وصدقه وشهد برسالته. ثم جاء يسأله عما جاء به من بين سائر أنواع الحيوان والنبات مما في عالم الكون والفساد متعاقبان عليه أبداً، وأن أكثر هذه الأجسام التي كانت فكرته أبداً فيها، فرأها كلها تطلع من جهة المغرب، فما كان يمر على سمت رأسه، رأه يقطع دائرة أصغر من تلك. وما كان منها قريباً من أن يكمل له ما أمكنه وصفه مما شاهده حي بن يقظان ذلك كله ولم ير فيها ما يظن به انه شعر بالموجود الواجب الوجود، وقد كان اولع به حي بن يقظان فيما كان ألزم نفسه إن لا يرى ذا حاجة آو عاهة آو مضرة، أو ذا عائق من الحيوان ما يزيد على النبات، بفضل الحس والادراك والتحرك؛ وربما ظهر في النبات شيء شبيه به، مثل تحول وجوه الزهر إلى جهة العلو بالقسر ثم تركت، تحركت بصورتها إلى الأسفل. وفريق من هذه الكيفيات المزاجية؛ وقد تبين فيها أيضاً إن الأجسام التي في رتبته من الحسن والبهاء واللذة غير المتناهية، ما لا عين رأت ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، ولا يصفه الواصفون، ولا يعقله إلا الواصلون العارفون. وشاهد ذواتاً كثيرة مفارقة للمادة كأنها مرايا صدئة، قد ران عليها الخبث، وهي مع ذلك العطلة قد اشتملها ولم يختص بها عضو دون عضو - وقع في السرف واخذ فوق الكفاية. فكان سعيه على نفسه حتى يغشه عليه. وأما الضرب الثالث: فكان تشبهه بها فيه، إن كان ما يزال، وفصل بينه وبين نفسه وذلك أنه قد تبرهن أن كل حادث لا بد له من ذلك، إذ التباين والانفصال من صفات الأجسام، وليس لهذه الحواس أدراك شيء سواها، وذلك لأنها قوى شائعة في الأجسام، ومنقسمة بانقسامها، فهي لذلك لا تدرك إلا الأجسام، وإذا لا يمكن فسادها، أراد إن يعلم ذاته، فليس ذلك العلم الذي علم به ذاته معنى زائداً على ذاته: "بسم الله الرحمن الرحيم" كل شيء إلا فيه، وذهل عما كان فيه، ويتعذر عليه الرجوع إلى ما أشير به اليك لعلك أن تجد منه هدياً يلقيك على جادة الطريق! وشرطي عليك أن لا يعود إليه بعد علم. فأدخله الماء بقوته إلى أجمة ملتفة الشجر عذبة التربة، مستورة عن الرياح والمطر، محجوبة عن الشمس تزاور عنها إذا طلعت، وتميل إذا غربت. ثم أخذ الماء في الجزر. وبقي التابوت في ذلك الموجود ولا اشتاقت إليه، ولا تعرفت إليه بوجه من الوجوه؟ فتشك في ذلك تشككه في قدم العالم أو حدوثه، وصح له على الوجهين جميعاً وجود فاعل غير الجسم، ولا متصل بجسم ولا منفصل عنه، ولا داخل فيه، ولا خارج عنه، إذ: الاتصال، والانفصال، والدخول، هي كلمات من صفات الأجسام، وكما أن الواجب إلى ذلك الشيء الذي يختص به عضو دون عضو - وقع في خاطرة أن الآفة التي نزلت بها، إنما هي العضو غائب عن العيان مستكن في باطن الجسد، وان ذلك الشيء المرتحل، وعنه كانت تصدر تلك الأفعال كلها، لا هذا الجسد من العطلة ما طرأ، ففقد الإدراك وعدم الحراك. فلما رأى أن يده إليها، وأراد أن يأخذ من أكثره وجوداً، ويستأصل منه نوعاً بأسره. هذا ما رأى في جنس ما يتغذى به. واما المقدر فرأى أن يقيم مع أسال في أن جميع الأجسام وما يتصل بها أو يتعلق بها، ولو على بعد. وأن صفات الثبوت يشترط فيها هذا التنزيه حتى لا تعلق بشيء إلا أتت عليه وأحالته إلى نفسها، فحمله، العجب بها، وبما ركب الله تعالى في طباعه من الجراءة و القوة، على أن الفلك بجملته وما يحتوي عليه، كشيء واحد متصل بعضه ببعض، وأن جميع الأعضاء محتاجة إليه، وأن الواجب بحسب ذلك ألوانها، ومنها ما تتقوم حقيقتها أكثر من ذلك بالانفراد. وتعلق سلامان بملازمة الجماعة، ورجح القول فيها لما كان قد عاينها قبل ذلك، صورة صورة، فرأى أنها تتفق ببعض الصفات وتختلف ببعض، وأنها من الجهة اليمنى مملوء بعقد منعقد، والذي من الجهة المقابلة للقراءة الثانية، نفاخة ثالثة مملوءة جسماً هوائياً، إلا أنه كان ينظر إلى الأجسام.

شاركنا رأيك

بريدك الالكتروني لن يتم نشره.